فقط مقابل مطالعة كتاب. فبينما تتسابق المنصات الرقمية لاختطاف انتباه الإنسان ثانية بعد ثانية، اختارت سنغافورة أن تدفع لمواطنيها مقابل أن يقرؤوا.
في مبادرة لافتة لتشجيع القراءة ومواجهة تراجع مدى الانتباه، أطلقت سنغافورة برنامجا وطنيا يكافئ المواطنين ماليا مقابل تخصيص 15 دقيقة يوميا لقراءة الكتب. يبدو أنّ سنغافورة أدركت أن الثروة الأكثر ندرة في القرن الحادي والعشرين ليست هي المطالعة أو بالأحرى الثقافة.فالكتاب يخسر يوميا جزءا من معركته أمام الشاشات الصغيرة التي تسكن جيوبنا وتلتهم أعمارنا في صمت.
لم يعد الإنسان المعاصر يعيش نقصا في الحصول على المعرفة أو لنقل المعلومة حيث تتدفق الأخبار والصور والمقاطع والمنشورات دون انقطاع ليلا نهارا. لقد أصبح العقل أشبه بمحطة عبور مكتظة، تمر بها آلاف المعلومات دون أن تستقر فيها واحدة.
وربما لهذا السبب بدت المبادرة السنغافورية مثيرة للتأمل أكثر من كونها مثيرة للإعجاب. فهي لا تدعو الناس إلى القراءة بقدر ما تدعوهم إلى إلى استعادة القدرة على التركيز في زمن التشتت والتشتيت، وعلى الإصغاء في زمن الضوضاء، وعلى التأمل في زمن الاستهلاك السريع للأفكار والمشاعر والصور.
من سنغافورة المعجزة الاقتصادية إلى تونس صاحبة المشروع التنويري، يبقى السؤال: ماذا بقي من علاقتنا بالكتاب؟
في تونس كانت المقاهي الأدبية تحتضن النقاشات الفكرية وكانت المكتبات العمومية مكتظة بالقراء، يبدو المشهد اليوم أكثر التباسا. فالكتاب لم يختف. لكنه ربما لم يعد يحتل المكانة نفسها في الحياة اليومية. ربما أصبحنا نقرأ أقل مما نظن، ونكتفي غالبا بعناوين الأخبار وملخصات الكتب واقتباسات مواقع التواصل، حتى كأننا أصبحنا نعيش على هامش المعرفة لا في متنها.
ومع ذلك، لا يزال هناك أمل. فمعرض تونس الدولي للكتاب، كلما فتح أبوابه، يثبت أن الشغف لم يمت. واللقاءات الأدبية والثقافية التي تتناثر في المدن والجهات تؤكد أن هناك جمهورا ما يزال يبحث عن معنى أعمق من ذلك الذي تمنحه الشاشات العابرة. لكن الفرق بين الرغبة الموسمية والعادة اليومية في المطالعة يظل شاسعا !
قد لا تكون المكافأة التي تمنحها سنغافورة سوى بضعة دولارات رمزية، لكن مغزى الرسالة أكبر بكثير. ولعل ما يميز التجربة السنغافورية إدراكها أنّ المطالعة قضية مجتمعية وليست هوية فردية . فالأمم التي تريد أن تحافظ على قدرتها على التفكير لا تكتفي ببناء الطرقات والمصانع، إنما تشيّد جسورا بين الإنسان والكتاب وتستثمر في الرأس المال البشري.
في تونس قد لا نحتاج دفع المال للناس كي يقرؤوا. ربما نحتاج فقط إلى أن نعيد للكتاب مكانته وللمكتبة هيبتها وللطفل فضوله وللشباب حقهم في فضاء ثقافي مريح ومجاني.
ومن يدري فقد يحدث ذات يوم أن يدفعوا لنا كي نقرأ... لأننا نسينا كيف نقرأ !